قصة قصيرة: حبة قمح حالمة
كتبهاغريب الزمان ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 14:13 م
وأخيرا هدأت الأصوات وتلاشت في نهاية يوم عصيب طويل مليء بالعذابات، أسدلت جفونها من شدة تعبها وحزنها، فقد بكت بكاء مرا بعد أن فصلوها عن أمها التي عاشت في كنفها حتى اليوم، لقد أصابها الجرح في صميم فؤادها وسالت دموعها لتبلل الأرض التي عشقتها.
نامت وحلقت في خيالها ، دارت حول الشمس تبحث عن عزيز رحل، أو عن صديق غاب وإرتجل، شعرت بالوحدة فإقتربت من قرص الشمس علها تشعر بدفء يسعف قلبها أو يخفف حزنها، لكن حرارة الشمس لسعتها وأوشكت أن تحرقها، فإنتفضت وإبتعدت وأخذت تجول ببصرها علها تجد من يساعدها ويأخذ بيدها إلى بر الأمان، شعرت بضياع وهوان، فتساءلت : إلى متى وإلى أين المصير ؟
وفجأة تذكرت أمها التي ضحت بنفسها من أجل أطفالها الذين لم ترهم في يوم ما رغم قربهم منها، إرتجفت ودق قلبها وتسارعت دقاته فصرخت صرخة هزت كيانها وكسرت صمتها رافضة الإنحراف عن الطريق الذي سارته أمها، فهي لا تريد أن تطحن بين عجلات الرحى كما تطحن الكثيرات من أخواتها، لا تريد ان تموت دون أن تترك خلفها جزء منها يواصل مسيرتها.
لم تستسلم حتى في أحلامها ، فأصرت على حلم يراودها منذ لحظة قطفها ، فبدات نفسها بالهدوء شيئا فشيئا حتى إرتسمت البسمة على شفتيها رغم نومها . إنها تحلم بالعودة ،تحلم بلقاء الأحبة الذين غابوا عن الوجود في لحظات قدرية عادلة ، تحلم بنسمات الصباح التي تداعب الوجوه فتسري إلى الجسد مشاعر السرور والبهجة، تحلم بأبناء تنجبهم ليكملوا المسيرة التي بدأها أجدادها على هذه الأرض منذ آلاف السنين.
وبعد نوم طويل إستيقظت فوجدت نفسها بين أخواتها، لم يتغير حالها وفكرت أن تتسامر مع جيرانها علها تخفف من وحشتها ووحدتها، وقصت كل منها قصتها حتى جاء دورها فلم تجد ما تقول، فالقصة واحدة من بدايتها وحتى نهايتها، فأمام كل واحدة منهن طريقان: إما الموت بين عجلات الزمن التي تطحنهن فتجعلهن ذرات تتناثر مع اول نسمة خفيفة تهب عليها أو تدفن في الأرض حية لينبت منها جيل جديد يواصل المهمة التي خلق من اجلها.
ظلت صامتة رغم الألم الذي يسكن جوارحها ولم يبرحها رغم الأيام والشهور، أخذت تجول ببصرها وكأنها تبحث عن مفقود لها في أعماق المجهول أو كانها تريد إختراق الزمن لتطرق الأبواب الموصدة باحثة عمن يجيب عن سؤالها ويطمئن قلبها على مستقبلها، ولكنها لا ترى سوى صورتها التي تعكسها مرآة القدر المحتوم.
" م م ما ما ها هذا " تساءلت خائفة ، ترتجف من شدة الخوف فقد إهتزت وكأن زلزالا مدمرا ضرب مسكنها ،وتساءلت ثانية " هل حانت لحظة النهاية" ، كل شيء يهتز من حولها ، وتسمع اصواتا كتلك التي سمعتها يوم أن قطفوها عن أمها وأخرجوها من ارضها وباعدوا بينها وبين إخوتها. وبعد قليل هدأت الأصوات وقلت الحركات وخيم الهدوء التام. إنها تحاول أن تسمع شيئا قد يزيل الغموض ويكشف ما تخبؤه لها اللحظات القادمة، ولكن لا فائدة.
" إني أتحرك، إني أحس دفئا لم أعهده منذ وقت طويل " قالت وهي تتفحص الجسم الغريب الذي إلتصقت به، " إنها يد بشرية، لقد وصلت إلى نهايتي" أغمضت عيناها وسلمت أمرها لربها، إنها ترتفع وترتفع حتى لامستها خيوط الشمس ، ففتحت عينيها لترى الفضاء الذى طالما حلقت فيه في طفولتها، تذكرت اللحظات الجميلة التي عاشتها في موطنها وبين احبابها، تذكرت أفراحا وأحزانا، تذكرت أيام طفولتها يوما بيوم ، تذكرت ضحكاتها التي كانت تملأ السهول والحقول، تذكرت تلك الدموع التي سقطت على قريب أو حبيب، تذكرت كل آلام الماضى وأحلام المستقبل التي كانت تداعب بها خيالها، وتنسج منها قصة لصديقاتها.
لم تفق من ذكرياتها إلا عندما سقطت ولامس جسمها شيئا لم تلمسه من قبل فقالت مبتهجة " إنها الأرض، إنها التراب، إنها مسكن آبائي وأجدادي، يا لفرحتي، لقد عدت إلى وطني". نظرت إلى الشمس وتبسمت فقد تحقق حلمها ان تعيش في الأرض التي نبتت منها، وأن تشرب الحرية من الشمس التي تبدد الظلام وتحطم القيود مهما طال الزمن. أغمضت عينيها للمرة الأخيرة ونامت بين ذرات تراب وطنها. وبدأت حلما جديدا بأن يخرج منها بقدرة الله جيلا يعشق الشمس والحرية ويواصل المشوار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 19th, 2007 at 19 أبريل 2007 4:05 م
قصة رائعة لها معاني سامية تتناول الوطن والحرية والأمل
يوليو 16th, 2007 at 16 يوليو 2007 12:08 ص
ليس غريبا على صاحب حس مرهف مثل الأخ الأستاذ أبو عبيده أن يحلق بنا بكلماته الجميله فى سماءات الطفولة والشباب والشيخوخه فى نسق جميل ينقلنا فى لحظة الضعف إلى لحظةالقوة وفى لحظة اليأس إلى لحظة الأمل وفى لحظة إنتظار رد الجميل إلى لحظة الإستمرار فى العطاء ,فهكذا هو فى حياته لم يصطنع شيئا ليقنعنا به ولكنه عاش بنا مع نفسه العالية الهمة الضاربة فى جذور العطاء لحظات عفوية فدخل إلى القلب والعقل والروح فألف ألف تحية له وإلى مزيد من العطاء ياأخى خــــــــــــــــــــــــــالد